ابن قيم الجوزية
569
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
ويكفي العاقل البصير الحي القلب فكرة في فرع واحد من فروع الأمر والنهي ، وهو الصلاة وما اشتملت عليه من الحكم الباهرة والمصالح الباطنة والظاهرة والمنافع المتصلة بالقلب والروح والبدن والقوى التي لو اجتمع حكماء العالم قاطبة ، واستفرغوا قواهم وأذهانهم ، لما أحاطوا بتفاصيل حكمها وأسرارها وغاياتها المحمودة ، بل انقطعوا كلهم دون أسرار الفاتحة وما فيها من المعارف الإلهية والحكم الربانية والعلوم النافعة والتوحيد التام والثناء على اللّه بأصول أسمائه وصفاته . وذكر أقسام الخلقة باعتبار غاياتهم ووسائلهم وما في مقدماتها وشروطها من الحكم العجيبة ، من تطهير الأعضاء والثياب والمكان ، وأخذ الزينة ، واستقبال بيته الذي جعله إماما للناس وتفريغ القلب للّه وإخلاص النية وافتتاحها بكلمة جامعة لمعاني العبودية ، دالة على أصول الثناء وفروعه ، مخرجة من القلب الالتفات إلى ما سواه والإقبال على غيره ، فيقدم بقلبه الوقوف بين يدي عظيم جليل أكبر من كلّ شيء ، وأجلّ من كل شيء ، وأعظم من كل شيء ، بلا سبب في كبريائه السماوات وما أظلت ، والأرض وما أقلت ، والعوالم كلها ، عنت له الوجوه ، وخضعت له الرقاب ، وذلّت له الجبابرة ، قاهر فوق عباده ، ناظر إليهم ، عالم بما تكنّ صدورهم ، يسمع كلامهم ، ويرى مكانهم ، لا يخفى عليه خافية من أمرهم ، ثم أخذ في تسبيحه وحمده وذكره تبارك اسمه وتعالى جده وتفرده بالإلهية ، ثم أخذ في الثناء عليه بأفضل ما يثنى عليه به من حمده وذكر ربوبيته للعالم وإحسانه إليهم ورحمته بهم وتمجيده بالملك الأعظم ، في اليوم الذي لا يكون فيه ملك سواه ، حتى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد ، ويدينهم بأعمالهم ، ثم إفراده بنوعي التوحيد ؛ توحيد ربوبيته استعانة به ، وتوحيد إلهيته عبودية له ، ثم سؤاله أفضل مسؤول وأجلّ مطلوب على الإطلاق ، وهو هداية الصراط المستقيم الذي نصبه لأنبيائه ورسله وأتباعهم ، وجعله صراطا موصلا لمن سلكه إليه وإلى جنته ، وأنه صراط من اختصهم